جامع وضريح الشيخ بدران (بدر الغفير) (مشاهدة خارجية من الشارع العام)
يقع مقام الشيخ بدران وسط البلدة القديمة في شارع النصر، ويتكون من غرفة واحدة، بداخلها عمودان رخاميان، ويوجد في وسط الغرفة الضريح الخاص بالشيخ بدران بن شبل بن حافظ النابُلسي وكان من المجاهدين، واستشهد في نابُلسفي القرن السادس الهجري حوالي 1240م ودفن فيها.
ويرجح أنّ البناء قد استخدم مُصلًّى، كما استعمل مدرسة دينية عرفت باسم "المدرسة العمادية"، نسبة إلى الشيخ عماد الدين ابن الشيخ بدران صاحب المقام. واستخدم الموقع وساحة كانت خلفه كمدرسة طوال الفترة العثمانية، وكانت تتسع لحوالي مائة طالب.
القسم التاريخي
نسبة المبنى (identification): تحققت نسبة المبنى بواسطة نقشين حجريين كتابيين، إضافة إلى توثيق أصحاب المسح الانكليزي سنة 1880م.
التاريخ: أصل المبنى مسجد صغير يرجح أنه يعود للعهد الأيوبي. واعتماداً على طراز ما تبقى من سقفه ذو الأقبية المتقاطعة والعقود الحجرية المدببة فإنه أعيد بناؤه في العهد المملوكي. وأفاد أصحاب السمح الانكليزي عند زيارة المسجد سنة 1880م بأن أصل البناء كنيسة بيزنطية صغيرة، وذلك اعتماداً على وجود أربعة أعمدة رومانية في المسجد، غير أن هذا ليس بدليل قاطع، لأن هذا يمكن اعتباره إعادة استخدام وليس أصيلاً خاصة وأن العمودين الحاليين المتبقين من الأربع الأعمدة غير متناسقين ولا متناسبين في أحجامهما وأطوالهما وتيجانهما وهذا ينفي بدوره بأن أصل المسجد كنيسة بيزنطية وإنما أسس كمسجد في العهد الأيوبي مع إعادة استعمال هذه العناصر الإنشائية البيزنطية. وينص النقش الأول الحجري الواقع وسط الجدار الشرقي الملاصق للقبر القائم في الجامع أن المدفون فيه هو بدران وأهله (زوجته) وأنهما قد توفيا ودفنا في هذا المسجد سنة 640هـ/1240م، ولا يفصح النقش عن تفاصيل أخرى تتعلق بصاحب القبر وما علاقته بالجامع، خاصة وأن سنة الوفاة شهدت اضطرابات في المدينة نتيجة غزو الفرنجة لها لمدة يومين. لكن من حسن الطالع أن النقش الثاني (شكل (1)) الذي يؤرخ للتجديد(تعمير) في سنة (672هـ/1273م) يمنح بدران صفة الشهيد ويسميه ببدر الغفير مما يعني أن الشيخ بدران استشهد وهو يقاوم غزو الفرنجة وشهد الجامع أعمال تعمير في عهد الظاهر بيبرس على يد الشيخ عماد الدين ابن صاحب القبر الشيخ بدران. وقد شملت أعمال التعمير هذه سنة 672هـ/1273م تجديد بناء الضريح والمسجد، كما شملت بناء مدرسة فوق المسجد وهي المدرسة التي أصبحت تعرف باسم المدرسة العمادية نسبة إليه. واستمر نشاط الجامع والمدرسة في العهد العثماني، وأشارت سجلات محكمة نابلس الشرعية إلى مكاتبه في سنة 1066هـ/1655م بين قاضي القدس إلى قاضي نابلس يرفض السماح فيها للأجانب السكن بالمدرسة العمادية الكائنة بنابلس، لأن ذلك مخالف للشرع الشريف وأن عليه حين وصول هذه المراسلة أن لا يمكن أحد من السكن بالمدرسة.
شكل (1): النقش الحجري المملوكي في مسجد ومقام الشيخ بدران
ماهية شخصية صاحب الضريح
يشير النقش الحجري الكتابي الداخلي بأن اسم صاحب الضريح بدران، في حين يشير النقش الحجري الكتابي الخارجي إلى أن اسمه الشهيد بدر الغفير وأنه والد الشيخ عماد الدين صاحب المدرسة التي تعلوه.
أما سجلات محكمة نابلس الشرعية فقد ذكرته باسم بدر الدين، وفي مكان آخر منها ذكرت بأن عماد الدين ابن الشيخ بدر الدين الشهيد في حين ذكرته في محل آخر باسم بدران.
ويستفاد من كل ما سبق بأن جميع هذه المسميات والألقاب وإن اختلفت ما هي إلا مسميات متعددة لشخصية واحدة وهي شخصية صاحب الضريح الكائن داخل المسجد إذ من المعروف أن العادة جرت في التاريخ الإسلامي على أن يتلقب الشخص بلقب ديني إضافة إلى أسمه الأصلي وذلك من قبيل التبريك، ورفع المنزلة، وحيث أن المصادر التاريخية لم تترجم لصاحب القبر وإنما ترجمت لولده الشيخ عماد الدين عبد الحافظ بن بدران بن شبل النابلسي المتوفي سنة 698هـ/1299م.والذي ضريحه لا زال قائما في جبل عيبال ومنسوبا إليه، فإن ذلك يعني أن أسم والده بدران هو المذكور في النقش الحجري الداخلي، في حين أن لقبه هو بدر الدين المذكور في سجلات محكمة نابلس الشرعية. أما لفظه الغفير.المضافة إلى لقبه المختصر فهي تعني الحارس وهي غير متداولة الاستعمال في نابلس ولكنها تدفع إلى الاعتقاد بأن الشيخ بدران كان غفيراً أو حارساً مرابطاً على الثغور المواجهة للفرنجة، وأنه كان شيخاً مجاهداً ومن الممكن أنه كان أيضاً شيخاً للجامع الذي دفن فيه هو وزوجته وأنه استشهد أثناء الغزو الفرنجي لمدينة نابلس 640هـ/1240م مما يعني بالنهاية بأن هذا الضريح يعود للشيخ الشهيد بدر الدين بدران بن شبل النابلسي المتوفي في التاريخ المذكور.
المؤسس والمعمرين: لا يعرف من الذي أسس هذا المسجد في العهد الأيوبي، ولكن من المحتمل بأن الشيخ بدران المدفون فيه قام بتأسيسه وأصبح شيخاً له ولهذا دفن فيه. ويذكر النقش الحجري الكتابي الخارجي بأن ولده الشيخ عماد الدين قام بتعميره سنة 672هـ/1273م من العهد المملوكي. حيث أعاد بناء سقفه وأضاف فوقه مدرسة أصبحت تعرف باسمه نسبة إليه.
التاريخ اللاحق الحديث: يستفاد من سجلات محكمة نابلس الشرعية بأن المسجد أصبح يستعمل في أواخر العهد العثماني مكتباً لتعليم الأولاد القرآن الكريم (الكتاتيب)، في حين أن المدرسة أصبحت تستعمل مقراً لمحكمة نابلس الشرعية. إلا أنه ومع حدوث زلزال سنة 1927م تضرر المسجد والمدرسة ضرراً كبيرا حيث تهدمت المدرسة وخرب المسجد مما دفع بدائرة أوقاف نابلس إلى هدم الأقسام المتضررة وإزالة الأنقاض وبناء مخزنين تجاريين، وتم الإبقاء على القسم الشرقي للمسجد والقائم فيه ضريح الشيخ بدران مع إعادة بناء الواجهة الجنوبية الخارجية لهذا الجزء المتبقي من المسجد وفي ما بين 1965-1967م أصبح هذا القسم الشرقي المتبقي من المسجد يستعمل كزاوية حتى التاريخ الأخير المذكور حيث أغلقت وأصبح ينظر للمكان كضريح مغلق وهو ما عليه الآن.
الوصف المعماري
الوصف الخارجي: ما تبقى من المسجد حيث الضريح يطل على شارع النصر بواجهة حجرية هي إعادة بناء ويبلغ ارتفاعها 3م وعرضها 2.50م وتتكون من حجارة بناء صغير الحجم محلية البناء. ويقوم في النهاية الشرقية منها مدخل جنوبي صغير معقود بعقد دائري محلي الطراز طوله 1.60م وعرضه 1.10م، يغلق فتحته مصراعي باب حديث الصنعة. أما القسم الغربي منها وإلى الغرب من المدخل مباشرة فتتوسطه نافذة معقودة بعقد دائري يبلغ طولها 1.8م وعرضها 1م وتغطيها مصبعات حديدية. وفي أعلى الواجهة وفوق المدخل تقوم نافذة معقودة وبعقد دائري محلي وإلى الغرب منها وفوق النافذة السفلي يقوم نقش حجري كتابي مملوكي.
الوصف الداخلي: يؤدي المدخل الجنوبي الوحيد من شارع النصر إلى مساحة مستطيلة الشكل تمتد من الشمال إلى الجنوب بطول 5م ومن الشرق إلى الغرب بعرض 2.7م ويتوسطها عامودين ويبلغ طول العمود الشمالي منهما 2.10م ومحيطه 1.60م ويعلوه تاج عمود مزخرف بالاكانتوس ويتميز محيط قاعدته بأنه أصغر بكثير من محيط العمود مما يترك فراغاً ما بين العمود والتاج مسافة علوية 10 سم وذلك لأنه هنا إعادة استعمال ( سواء العمود أو تاجه). أما العمود الثاني وهو الجنوبي فهو أصغر حجما ًمن العمود الأول ويبلغ طوله 1.95م ومحيطه 1.3م ويعلوه تاج عمود ضخم محيط قاعدته 1.30م وارتفاعه 90 سم وغير مزخرف ويقوم في القسم الشرقي من هذه المساحة قبر حجري يمتد من الشرق إلى الغرب لهذا القسم من المسجد ويقوم أعلاه داخل الجدار الشرقي للمسجد نقش كتابي يذكر تاريخ وفاة صاحب القبر وهي سنة 640هـ / 1240م، نوقش في التاريخ أعلاه. ويغطي هذه المساحة سقف يتكون من وحدتان من الأقبية المتقاطعة التي يوجد بينها عقود حجرية مدببة تتجه فتحاتها شمال جنوب وأخرى شرق غرب. وهي تشير إلى إعادة البناء المملوكية للمسجد لوحة (شكل (2)).

شكل (2): قسم من السقف المملوكي حيث قبر االشيخ بدران