تاريخ المدينة

يرجع أصل نشأة مدينة نابُلس إلى ما قبل الفترة الكنعانية، حيثتم اكتشاف بعض الفخاريات التي ترجع إلى العصر الكالكوليثي - النحاسي - (4500 ق.م.). وكان أول سكانها من القبائل الكنعانية الوافدة من شبه الجزيرة العربية في أواسط الألف الثالثة قبل الميلاد، وأسموها حينذاك "شكيم" بمعنى كتف أو منكب. وأُعلنت في فترة العصر البرونزي الوسيط (1900-1550 ق.م) دولة مدينة. وكانت بداية اكتشاف شكيم على يد الرحالة الألماني هيرمان تيرش في العام 1903م. وورد ذكرها في رسائل تل العمارنة الفرعوني حوالي سنة 1400 ق.م، باسم "شاكيمي"، وهذا دلالة على عظم شأنها في تلك الفترة.

وبدأ العهد الروماني في نابُلس خلال الفترة 72-73م، عندما أمر القائد الروماني فسبسيانوس"Vespasianus" بنقل حجارة مدينة شكيم المهدمة، وأمر ببناء مدينة جديدة في موقع البلدة القديمة الحالي، أي باتجاه الغرب من موقع المدينة الكنعانية. وأسماها الرومان حينذاك "فلافيا نيوبوليس"Flavia Neapolis"، و"فلافيا" نسبة إلىاسم عائلة القيصر الروماني "كلافيوس"، أما "نيوبوليس" فمعناها باليونانية "المدينة الجديدة". وكان أحد أسباب إنشائها توفير مكان إقامة وسكن للمحاربين من الجيش الروماني.

وكان التخطيط العام للمدينة في الفترة الرومانية ممتداً بشكل طولي باتجاه شرق غرب. وكانت تقوم أعمدة حجرية على جانبي الطريق الرئيس الذي عرف باسم شارع الكاردو. وعلى امتداده أقيمت الساحات المبلطة، وبنيت تحته قناة للماء. ويمكن اليوم مشاهدة جزء من هذا الشارع، والوصول إلى القناة المائيةتحت مدرسة ظافر المصري الواقعة في حارة القيسارية، في ممر ضيق، تحت مستوى الشارع الروماني بحوالي عشرة أمتار.وبلغت مساحة نيوبوليس حوالي 1000 دونم واحتوت على كافة عناصر المدينة الرومانية.

وتحول طابع المدينة الوثني نحو الروماني المسيحي في الفترة ما بين324 – 636م، "واكتسبت نيابوليس أهمية دينية عالية، وأعلنت في القرن الرابع الميلاديمركِزًا لكرسي أسقفية. وتمكن الإمبراطور جستنيان "Justinian" في حوالي 530م، من السيطرة على المنطقة، وعلى إثر ذلك انتشرت الديانة المسيحية بين السكان، وتم في عهده بناء خمسة كنائس.

وشهدت المدينة في العام 636م بداية استقرار أمني بعد الفتح الإسلامي، وأصبحت نابُلسإحدى مدن اللواء الذي كان يعرف باسم "جند فِلَسطين"، وكانت عاصمته مدينة الرملة، وارتبطت نابُلسإداريًّا زمن الحكم الأموي بمدينة دمشق، عاصمة الأمويين. ثم توالى حكم السلالات الإسلامية للمدينة كالعباسيين في العام 749م، ثم الفاطميين الشيعة في العام 968م، والسلجوقيين في العام 1076م، إلى أن احتلها الصليبيون سنة 1099م.

وبدأت الفترة الصليبية بتاريخ 25 تموز 1099م حين تمكن الصليبيون من دخول نابُلس سلمًا بعد أن استسلم أهلها، على إثر احتلال مدينة القدس في ربيع تلك السنة. وقام الملك بلدوين الأول "Balduin I" في الفترة ما بين 1100م - 1118م، ببناء قلعة لحماية المدينة على قمة جبل جرزيم، ولا تزار آثارهاباقية، وبالإمكان زيارتها.

أما الفترة الأيوبية فبدأت عندما تم تحرير المدينة بانتصار صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين العام 1187م، وهو الذي أعطى أماناً لأهلنابُلسالمسيحيين والسامريين، حيث أنّه ضمن لمن يرغب منهم الاحتفاظ بديانته حق الحماية والأمان، وهذا مثبت في وثيقة منقوشة بالحجر في الجامع الصلاحي الكبير.

الا أنّا لبيت الأيوبي قد شهد صراعات ونزاعات بين ملوكه، وهذا ما أدى إلى تدهور الوضع العام في المدينة ومكن الفرنجة من مهاجمتها وتخريبها مرات عديدة. كما عانت المدينة من دمار بسبب الزلزال في العام 1199م، وهذا ما أدى إلى عدم وجود أية أبنية من تلك الفترة.

وتزامناً مع استيلاء المماليك على الحكم في مصر،بدأت الفترة المملوكية في العام 1260م، وبعد أن ثبت المماليك أركان دولتهم، تمكن الجيش المملوكي من السيطرة على غزة والساحل الفِلَسطيني ونابُلس. ودام حكم المماليك حوالي 256 عاماً، وكان لشدة بأسهم وطول فترة حكمهم أن ساد الأمان والاستقراروالازدهار في مختلف نواحي الحياة العلمية، والفكرية، إلا أنّه لا توجد شواهد معمارية في نابُلس من تلك الفترة باستثناء مئذنة مسجد الخضراء في حارة الياسمينة.

وتمكن الأتراك العثمانيون من السيطرة على نابُلس في العام 1521م. واعتمدت الدولة العثمانية في بدايتها على الولاة المحليين من المماليك. وكان ذلك بتولي الأمير فروخ بن عبد الله الشركسي إمارة نابُلس والقدس وعجلون والكرك، وكذلك إمرة الحج في العام 1612م، وجعل مركز حكومته في نابُلس. ثم تتابع الحكام من آل فروخ على إدارة دفة الحكم، إلا أنّ أهل نابُلس ثاروا عليهم، وعلى إثر ذلك قامت الدولة العثمانية بإرسال حملة عسكرية لتوطيد دعائم حكمهم. واعتمدت على ولاة محليين قامت بتعيينهم من المدينة لإدارة شؤون الحكم فيها.

وتمثل الولاة المحليون بثلاثة عائلات هي آل النمر، وآل طوقان، وآل عبد الهادي. وكان أول الحكام من هذه الأسر من عائلة النمر، وبرز منهم الأمير يوسف بن عبد الله باشا - ت 1685م -. وصالح باشا طوقان من عائلة البيك طوقانالذي كان حاكمًا لنابُلس وغزة في العام 1722م.

وزار السائح التركي إيليا شلبي "Evliya Tshelibi" مدينة نابُلس، وذلك في أثناء زيارته فِلَسطين في العام 1671م، وساهمت المعلومات التي قدمها في رحلته، بالتعريف بعدد من الأبنية ومواقعها، وورد في تقريره عن مدينة نابُلس: -

"… هذه المدينة جميلةٌ جدًّا، تقوم بين جبلين، وتكثر فيها الجنائن، والبساتين … وجميع بنايات الحكومة، والدور الكبيرة تنعم بكونها ذات مياه جارية وبرك وينابيع نقية"

وشهدت المدينة في الفترة العثمانية استقرارً وازدهارً في مجالات الحياة المختلفة، وخاصة في النواحي العمرانية، فتم إنشاء العديد من الأبنية العامة، واستحدث في نهاية تلك الفترة التلغراف والبريد، وكان فيها تشكيل أول مجلس بلدي للمدينة في العام 1869م.وتطورت المواصلات، فتم البدء ببناء خط سكة الحديد التي كانت تنطلق من نابُلسإلى المدينة المنورة وعرفت باسم سكة الحجازفي زمن السلطان عبد الحميد الثاني في العام 1876م.

ومع إعلان الحرب العالمية الأولى سنة 1914م، وما تلاها من انتكاسات سياسية كان أهمها إعلان وعد بلفور بإعطاء اليهود وطنًا قوميًّا في فِلَسطين، واحتلال مدينة القدس في العام 1917م. تمكن الجيش البريطاني من احتلال مدينة نابُلس بتاريخ 21/9/1918م. واستمر الاحتلال البريطاني حتى العام 1950م حين تسلمت المملكة الاردنية حكم الضفة الغربية. ولكن ذلك لم يدم طويلا حيث تم احتلال مدينة نابُلس في الخامس من حزيران سنة 1967م، عندما تمكن الجيش الإسرائيلي من احتلال ما تبقى من أرض فِلَسطين، بالإضافة إلى مرتفعات الجولان السورية، وصحراء سيناء المصرية.

وتتابعت الأحداث السياسية في فِلَسطين والعالم العربي، وتدهورت أحوال الشعب الفِلَسطيني، في الداخل والخارج. وتعتبر فترة الانتفاضة الفِلَسطينية الأولى التي انطلقت بتاريخ 9/12/1987م إحدى أهم المراحل التي عاشها الشعب الفِلَسطيني في الداخل. واستمرت حالة عدم الاستقرار حتى انسحاب آخر جندي إسرائيلي من حدود مدينة نابُلس عند منتصف الليل بتاريخ 11/12/1995م.إلا أنّه ونتيجة الزيارة الإستفزازية التي قام بها أريئيل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي للمسجد الأقصى المبارك بتاريخ 28/9/2000م انطلقت الانتفاضة الشعبية الثانيةالتي عمت أرجاء فِلَسطين، وبدءاً من نيسان من العام 2002م، قامت القوات الإسرائيلية باستخدام أعتى آلتها الحربية وطيرانها بقصف أحياء البلدة القديمة وأعادت احتلال المدينة. وأدى ذلك إلى تهدم عدد كبير من أبنيتها العتيقة، إلا أنّ إصرار أهالي المدينة على الصمود والتصدي أعاد للمدينة حياتها ورونقها، وأصبحت مقصداً للزيارة والاستمتاع بآثارها وتراثها العريق.