
الجامع الحنبلي (وقت الزيارة مفتوح، الدخول مجاني)
يقع الجامع الحنبلي في شارع الصلاحي، في الجزء الأوسط من البلدة القديمة وعرف الجامع باسم "الجامع الغربي"، بحسب موقعه في الطرف الغربي للبلدة القديمة. ويوجد في قاعة الصلاة المستطيلة عشرة أعمدة اسطوانية رخامية، مرتبة في صفين متوازيين، وهي تحدد ثلاثة أروقة فيما بينها، وتعلو هذه الأعمدة تيجان كورنثية مزخرفة بأوراق نبتة الأكانتوس. وفوق المدخل الشمالي للمسجد مئذنة رشيقة، ومرتفعة، وهي دائرية الشكل، وتعلوها شرفة مرتكزة على عدد من القطع الحجرية البارزة، "زفر"، وهي ذات تشكيل زخرفي جميل.
ولعل وجود الأعمدة الرخامية، وما يعلوها من تيجان مزخرفة، وكذلك أسلوب البناء، وتشكيل الأروقة يرجح الاعتقاد أنّ البناء أصلاً كنيسة بيزنطية. ولكن يرجح رأي ثان أنّ أصل البناء يعود إلى الفترة العثمانية، والذي قام ببنائه هو سليمان القانوني كتوسعة لمسجد صغير كان قائمًا في المكان نفسه، وكان ذلك باستخدام أعمدة رخامية، وتيجان تم إحضارها من مواقع أثرية متهدمة. وأجريت أعمال تعمير في زمن السلطان محمد رشاد الخامس العثماني في العام 1920م، ويستدل على ذلك من النقش الكتابي الذي يعلو مدخل المنبر.
القسم التاريخي
نسبة المبنى (identification): اعتمد في نسبة هذا الجامع على مجموعة من العناصر المعمارية، ونقشين حجريين كتابيين سوف تناقش أدناه في (التاريخ)
التاريخ: يشير رواق الجامع الأوسط المعمد الذي تعلوه تيجان أعمدة بيزنطية إلى أن أصل الجامع كنيسة بيزنطية صغيرة. وترجمت بعض المصادر التاريخية لمجموعة ممن تولوا الإمامة فيه في العهد الأيوبي مثل الفقيه المحدث تقي الدين أبو عبد الله يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور المقدسي ثم النابلسي الحنبلي الذي توفي سنة 638هـ/1239م. ويشير أسلوب تسقيفه إلى أنه أعيد بناؤه في العهد المملوكي وعلى الأرجح في عهد السلطان محمد بن قلاون (709-741هـ/1309-1343م) الذي عرف عنه تعميره وإنشاؤه لكثير من المباني في أنحاء مختلفة من الدولة المملوكية، وقد أيد هذا النقش الحجري الكتابي الذي كشف عنه فوق المحراب أثناء الترميمات الأخيرة للجامع، وذكرت المصادر التاريخية أيضاً بعض من أئمته في العهد المملوكي والذي هو الإمام عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المنعم بن سرور المقدسي النابلسي الحنبلي الذي أم بمسجد الحنابلة أكثر من سبعين سنة وتوفي سنة 737هـ/1338م. ويستفاد من النقش الحجري الكتابي الواقع على واجهة عتبة مدخل الغرفة الجنوبية الغربية الواقعة في الجدار الجنوبي لبيت الصلاة بأن الجامع جدد بناؤه في عهد السلطان العثماني سليمان بن سليم بن يزيد بن عثمان ( 926-974هـ/1519-1560م). هذا وينفرد جامع الحنبلي عن بقية جوامع نابلس بوجود الشعرات النبوية المحمدية فيه وهي شعرات ثلاثة ثم الحصول عليها من استانبول أثناء التعميرات التي أجريت سنة 1911م حيث وضعت في خزانة خاصة بها تفتح فقط في 27 رمضان من كل سنة ويتولى أمر فتحها رئيس كتاب محكمة نابلس الشرعية.
المؤسس والمعمرين: لا يعرف من الذي أنشأ الكنيسة البيزنطية الصغيرة، كما لا يعرف من الذي قام بتحويلها إلى جامع في العهد الأيوبي، ولكن يتوفر في الجامع عدد من النقوش الحجرية الكتابية التي ذكرت أسماء بعض السلاطين العثمانيين الذين تم تجديد بناء الجامع في عهدهم ومنهم السلطان سليمان بن سليم بن يزيد بن عثمان سنة 933هـ/1527م، والسلطان محمد رشاد الخامس سنة 1330هـ/1911م.
التاريخ اللاحق (الحديث): يستفاد من النقش الحجري الكتابي الواقع أعلى مدخل المنبر بأن الجامع قد جدد بناؤه مرة أخرى في عهد السلطان العثماني محمد رشاد الخامس (1909-1918م)، وقد تم هذا سنة 1330هـ/1911م حيث يرجح أنه تم أثناء ذلك بناء المئذنة الحالية للجامع التي يشير طابعها المعماري الأسطواني إلى أنها تعود إلى هذا التاريخ العثماني الأخير للجامع.
ويذكر النمر هنا بأن أعمال التجديدات التي أجريت للجامع في هذا التاريخ سنة 1911م قد صرف عليها من غلة أوقاف الجامع ومن تبرع السلطان محمد رشاد الخامس بمبلغ 300 ذهبية، كما وأضاف أنه وأثناء هذه الأعمال وجد في الجامع أعمدة في الجهة الشمالية منه أقاموها عليه وأتوا بالبقية من أطراف البلد ومن سبسطية. غير أن النمر لم يوضح هنا إن كانت تقوم أصلاً أعمدة على جانبي الرواق الأوسط أم لا، وإن كان الواقع المعماري يشير إلى أن صفي هذه الأعمدة كانا موجودين أثناء هذه التجديدات لبيت الصلاة خاصة و أن صفي الأعمدة ضرورة إنشائية لحمل السقف وإلا ماذا كان يحمل أو يسند السقف خلال وجوده في العهود الأيوبية والملوكية والعثمانية. كما ويذكر النمر فيما يخص أصل الجامع بأن الملك الناصر محمد بن قلاون المملوكي قد هدم كنائس النصاري في نابلس وبني المسلمون مكان الكنيسة الرومانية جامعاً يُسمى جامع الحنبلي. غير أن السلطان الناصر محمد بن قلاون لم يعرف عنه هدم أي كنيسة في نابلس، كما أن الجامع أصله كنيسة بيزنطية صغيرة حولت في العهد الأيوبي حيث ذكر بهذه الصفة في هذا العهد ثم أعيد بناؤه في العهد المملوكي مما يعني أنه لم يكن هنا أي هدم لأي كنيسة وإنما بتحويل كنيسة إلى جامع ، ويستفاد من ملفات دائرة أوقاف نابلس بأن تعميراً قد حدث للجامع مرة أخرى سنة 1951م وذلك بإقامة سدة إسمنتية في الجهة الشمالية من بيت الصلاة، حيث تم في هذا التعمير نقل مراحيض الجامع التي كانت خارجه إلى داخله حيث الساحة الغربية المكشوفة من خارج بيت الصلاة بعد أن تم تغطية أقسام منها.
أصالة الموقع في ضوء التجديدات والحفريات الأثرية الحديثة للجامع
في سنة 2011م قامت لجنة أهلية خيرية وبموافقة الأوقاف بأعمال تصليحات وتجديدات للجامع، حيث قامت هذه اللجنة بداية بأعمال إزالة البلاستيك والقصارة عن جدران بيت الصلاة، وعندما علمت دائرة آثار نابلس بذلك قامت بالتوجه نحو الجامع حيث تبين لها بأن العمال وأثناء قيامهم بنزع القصارة من أعلى محراب الجامع قاموا بتشويه وتدمير خطوط نقش حجري كتابي كان يقوم أسفل القصارة ودون أن يكون لهم معرفة بذلك، وعليه تم توقيفهم عن الأعمال دون التنسيق المسبق والأشراف على هذه الأعمال من قبل دائرة أثار نابلس، ورغم حالة النقش الصعبة فقد تمكن الباحث من تحقيق النقش وتبين أنه يوثق أعمال إعادة البناء المملوكية التي تمت للجامع، وتم الاتفاق مع اللجنة المذكورة بأن تقوم دائرة الآثار بعمل حفرية اختبارية في الجامع أشرف عليها كاتب هذه السطور، حيث تم الكشف في أرض غرفة الإمام الغربية عن عمود رخامي مع كتابة يونانية تدور على كامل محيطه في القسم العلوي منه.
وكشفت الحفريات في بيت الصلاة بعد إزالة ما تراكم فيه من الأنقاض وبقايا الأبنية من حجارة وأعمدة رومانية عن جدار بارتفاع المترين مقصور بقصارة سميكة تتصل بالأرضية المكتشفة مع الجدار، وينقسم هذا الجدار إلى قسم غربي وآخر شرقي وبينهما ممر أرضي مبلط بألواح من الحجارة الكبيرة الرومانية ويمتد باتجاه الجنوب دون أن يصل إلى المحراب، وقد تبين أثناء الحفر بأن أعمد الرواق الأوسط من بيت الصلاة الحالي لا تستند على الصخر الطبيعي وإنما تستند على الأنقاض مما يشكل خطورة في حالة حدوث اهتزازات. غير أن أعمال الحفر هذه توقفت نظراً لعدم توفر الإمكانات المالية لدى اللجنة الأهلية.
والخلاصة إن كاتب هذه السطور الذي أشرف على الحفرية يميل إلى الاعتقاد بان الجدار المكتشف والأرضية المليئة بالأنقاض أسفل بيت الصلاة ما هي إلا بقايا برك ماء رومانية ويبدو أنه تم في العهد البيزنطي طمرها وبناء كنيسة بيزنطية فوقها، غير أن هذه الكنيسة حولت إلى جامع في العهد الأيوبي مع المحافظة على تخطيطها. وفي العهد المملوكي تم إعادة بنائه مع المحافظة على تخطيط الرواق الأوسط المعمد فيه وكذلك الإبقاء على بقايا الطمم وبقايا جدران البرك السابقة وبلاط الممر الروماني بينهما.
الوصف المعماري:
الوصف الخارجي: للمسجد واجهة شرقية خارجية وأخرى شمالية في حين تجاوره غرباً وجنوباً مجموعة من الدور السكنية، و الواجهة الشرقية المطلة على شارع الصلاحي مكونة من صفوف حجرية صغيرة الحجم وهي اعادة بناء في العهد العثماني وفتح في القسم الشرقي الشمالي منها المدخل الشرقي لبيت الصلاة. وهو بسيط البناء وكبير الحجم وعالي الارتفاع ومعقود بعقد مدبب.
أما الواجهة الشمالية فهي أيضاً إعادة بناء من العهد العثماني وتطل على شارع الخان وفتح فيها مجموعة من المخازن التجارية الصغيرة، والمعقودة وفي القسم الغربي منها فتح مدخل شمال بيت الصلاة مدخلها بعقد مدبب كبير وواسع وتنتهي عتبته جنوباً بدرجات قليلة تؤدي إلى بيت الصلاة. وفوق هذا المدخل تقع المئذنة التي يتوصل إليها من د اخل بيت الصلاة وهي تتكون من قاعدة مربعة الشكل ومرتفعة تسند بدن اسطواني عالي ينتهي بشرفة حجرية تتوسطها قبة صغيرة
الوصف الداخلي: بيت الصلاة بناء مستطيل الشكل يمتد من الشرق إلى الغرب ويؤدي له مدخل شرقي معقود وآخر شمالي معقود من الشارع العام مباشرة. ويتوسط بيت الصلاة صفين من الأعمدة البازلتية والرخامية التي تعلوها تيجان كورنيشة الطراز. ونتيجة لهذا ينقسم بيت الصلاة إلى ثلاثة أورقة يبلغ عرض كل رواق منها 3.45 م ويعتبر الرواق الأوسط منها أهمها لأنه يقوم على كل من جانبيه الشمالي والجنوبي مجموعة الأعمدة البازلتية والرخامية والتي يبلغ عددها في كل صف خمسة أعمدة ( شكل(1)) ( شكل (2)).
وفي الجدار الجنوبي لبيت الصلاة تقوم ثلاثة محاريب أكبرها المحراب الأوسط الذي يجاوره غرباً منبر حجري وإلى الغرب من هذا المنبر وداخل الجدار الجنوبي توجد غرفة صغيرة. في حين تتوزع أعلى هذه الجدار الجنوبي مجموعة من النوافذ الصغيرة. وفي القسم الجنوبي الغربي من الجدار الغربي لبيت الصلاة تقوم غرفة صغيرة أخرى وهي غرفة الإمام ويقوم شمالها في هذا الجدار الغربي فتحة مدخل بسيطة تؤدي إلى الساحة الغربية المكشوفة التي غطي قسم منها الآن ليستعمل كمطهرة وأماكن للوضوء. ويغطي بيت الصلاة سقف يتكون من مجموعة من العقود الحجرية المدببة التي ينحصر ما بين كل عقد وآخر منها قبو متقاطع يقوم فوق كل رواق من الأورقة الثلاث لبيت الصلاة.

شكل (1): مخطط بيت الصلاة في جامع الحنبلي
شكل (2): بيت الصلاة في الجامع الحنبلي حيث الرواق الأوسط