مصانع الصابون النابُلسي ( الصبانات)

المصابن في نابلس القديمة

تمتاز البلدة القديمة في نابلس بوجود عدد كبير من المصابن ضمن نسيجها الحضري التقليدي. فخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت معظم المصابن توجد في أحياء الحبلة والياسمينة والغرب،  ومع زيادة الطلب على الصابون النابلسي وازدهار صناعته خلال الربع الاخير من القرن التاسع عشر، شهدت المدينة ازدياداً في عدد المصابن العاملة فيها، وتضاعف عددها ما بين الاعوام 1860 و 1882، حتى غدت المدينة بأكملها وكأنها مصنع كبير للصابون. واصبح معظم الانتاج يتركز في الجزئين الجنوبي والغربي من المدينة، قرب ما بات يعرف اليوم بشارع المصابن. ففي عام 1860 كان عدد المصابن التي كانت تعمل بطاقة كاملة في نابلس 15 مصبنة، فاصبح عددها في عام 1882 ثلاثين. وخلال الحرب العالمية الثانية، كان عدد المصابن التي تعمل بطاقة كاملة في نابلس 29، منها 23 مصبنة كبيرة والباقية صغيرة ( دوماني ، 1998: 304-305). وللوقوف على اهمية صناعة الصابون في نابلس، في النصف الاخير من القرن التاسع عشر، يكفي ان نعلم بأن فلسطين كانت اكبر مصدر للصابون في الهلال الخصيب، وان مضاعفة تصدير الصابون من فلسطين خلال الستينات والسبعينات من القرن التاسع عشر قد واكب تضاعف عدد مصابن نابلس، وان نابلس وحدها كانت تملك 30 مصبنة من المجموع الكلي لمصابن فلسطين البالغة اربعين في ذلك الوقت (دوماني، 1998: 308).

عند دراسة توزيع مباني المصابن في البلدة القديمة في نابلس، يلاحظ وجودها في كافة الاحياء بلا استثناء، مع كثافة تواجدها في جنوب المدينة حول شارع المصابن. وقد اندمجت هذه المباني الضخمة بشكل انيق ضمن النسيج الحضري للمدينة القديمة، واضحت من المكونات الهامة التي تميز البلدة القديمة وتطبعها بطابع فريد. وقد بقي التصميم المعماري للمصابن محافظاً على السمات التقليدية الخاصة والمميزة لهذه المباني والتي تتماشى تماماً مع الوظيفة التي انشأت لاجلها، مثلما حافظ الصابون النابلسي على مكوناته وطريقة صنعة التقليدية ونوعيته حتى يومنا هذا.

ولعل استخدام المواد الطبيعية في صناعة الصابون كان السبب وراء انعدام المخلفات غير المستحبة  او الروائح الكريهه خلال عملية التصنيع، فلم يكن هناك عائق امام انشاء المصابن داخل الاحياء السكنية في البلدة القديمة، بل انها وجدت ملاصقة لمساكن اصحابها، فكان بيت مالك المصبنة يبنى فوقها اوبالقرب منها وملاصقا لها.

ومع ان مباني المصابن اتبعت نمطاً معيناً في تصميمها، الا ان البلدة القديمة احتوت على امثله تنفرد بمميزات خاصة، كوجود طابقين لفرش الصابون في مصبنة قرمان (ابو الروس)، ووجود مفرش في الطابق الارضي في مصبنة كنعان التي تم تدميرها بالكامل خلال الاجتياح الاسرائيلي لنابلس عام 2002. وقد كانت مصبنة كنعان مثالاً فريداً، يمتاز بمسقط افقي غني ومختلف في تصميميه عن باقي مباني المصابن في المدينة، فقد احتوت على مفرشين لبسط الصابون في الطابق الارضي، بالاضافة الى المفرش الرئيسي في الطابق الاول. ايضاً تميزت بأن الدرج الذي يربط بين الطابق الارضي والطابق الاول فيها كان عريضاً وجيد الاضاءة ومفتوح على الطابق الارضي بواسطة فتحة يعلوها قوس نصف دائري. كما اختلفت بطريقة الدخول للمبنى عبر فراغ مربع مسقوف بعقد مصلب يفضي الى فناء صغير مفتوح يمكن الوصول من خلاله الى مدخل المصبنة، وايضاً الى سكن صاحب المصبنة، الموجود فوقها، عن طريق  درج ضيق وطويل.

في الوقت الحالي, تعتبرمدينة نابُلس مركزصناعة الصابون الذي حمل اسمها،وبلغ عدد المصابن في مدينة نابُلس أربعة وثلاثين مصنعًا أومعملا ً للصابون. ويعرف الشارع الواصل بين حارتي القريونو الياسمينة بشارع المصابن، وذلك لاحتوائه على ستة مصابن متجاورة. ويستدل على وجود مصنعا لصابون ضمن النسيج المعماري المتجانس في البلدة القديمة،من خلال بوابة المدخل المتسعة في الطابق الأرضي، والشبابيك الكبيرة في الطابق الأول. ومما لا شك فيه أنّ صناعة الصابون النابُلسي هي أحد أهم الروافد الثقافية التراثية والاقتصادية للمجتمع النابُلسي. 

الوصف المعماري لمبنى المصبنة

من الملاحظ ان المصابن التي وجدت في مدينة نابلس كانت تجمع في تصميمها بين الشكل المعماري والوظيفة. ومع ان هذه المباني بنيت اساساً لوظيفة محددة وهي تصنيع الصابون، الا انها احتوت على فراغات مصممة بعناية وجمال، وظهرت بها في بعض الاحيان تفاصيل معمارية، كالزخارف فوق المدخل، او الاقواس الحجرية في الداخل، او الكوات في الجدران. وقد كانت صناعة الصابون محصورة بين عائلات المدينة ذوات الجاه والسلطة والنفوذ فجائت مباني المصابن لتعكس هذه الدلالات ولو بشكل غير مباشر.

ومع ان مباني البلدة القديمة في نابلس كانت تتسم بالانفتاح نحو الداخل وبأنها كانت تبنى حول افنية فتوحة تصطف حولها الغرف وفراغات المبنى المختلفة، الا ان التصميم المعماري للمصابن اعتمد فيه انفتاح المبنى الى الخارج، بشكل يظهر العلاقة الوطيدة بين المبنى والشارع من خلال المدخل المباشر والنوافذ المطلة على الخارج. (شكل (1)) 

يتميز مبنى المصبنة بانه ضخم وله مدخل كبير، صمم ليسهل دخول احمال المواد الاولية المستخدمة في صناعة الصابون من زيت وقلو وشيد وجفت، وخروج الصابون الجاهز والمعد للبيع. ويتكون مبنى المصبنة من طابقين، الارضي واسع ومعتم وله سقف عال يتكون من عقود متقاطعة محمولة على اعمدة ضخمة جداً، تبلغ مساحة المقطع العرضي للعمود حوالي 1,5 الى 2 متر مربع. وتعمل الاعمدة على تقسيم الفراغ الداخلي المفتوح الى اجزاء متساوية، ولا يوجد في الطابق الارضي جدران سوى تلك التي تحدد مكتب صاحب الصبانة. واهم وظيفة في الطابق الارضي هي طبخ الصابون وتحتل الجزء الاكبر منه، كما توجد فراغات جانبية لتخزين الوقود والمواد الاولية وابار ضخمة تحت الارض لتخزين زيت الزيتون، لها فتحات في ارض المصبنة يمكن سحب الزيت منها بواسطة دلاء خاصة.

الطابق الاول او المفرش صمم بشكل يناسب الوظيفة التي يستعمل من اجلها وهي بسط الصابون المطبوخ وتقطيعة وتجفيفة، فالطابق الاول واسع ومفتوح، وهو فراع لا يوجد به الا الاعمدة الضخمة التي تحمل العقود المتقاطعة. ومع ان ارتفاع الطابق الاول اقل من الطابق الارضي الا ان نوافذ هذا الطابق كبيرة وتحتل معظم واجهة المصبنة المطلة على الشارع وصممت بالتالي لتساعد على ادخال الهواء وتسرع في تجفيف الصابون. اما الدرج الذي يوصل الطوابق بعضها ببعض فكان عال وضيق ومعتم وعلى العمال صعود الدرجات الزلقة مرات عديدة حاملين الدلاء المملوءة بالصابون المطبوخ ليفرد على ارض المفرش.

المادة الرئيسية المستخدمة في بناء المصابن هي الحجر الجيري، وهي مادة البناء التقليدية في فلسطين والمستعملة في مباني البلدة القديمة كافة. وقد استعمل الحجر في بناء الجدران السميكة بعمق يتراوح في المعدل بين 100-120 سم، كما استخدم في الداخل في بناء الاقواس الحجرية والعقود.  

شكل (1:): رسم ثلاثي الأبعاد يبين الأجزاء المختلفة للمصبنة, المصدر: (عمد, 1997) 

شكل (2): رسم تخطيطي يوضح المستويات المختلفة فيم بنى المصبنة والوظائف التي تتم في كل مستوى

الواجهات الخارجية للمصابن

اول ما يلاحظ في الواجهة الرئيسية للمصبنة، وجود الفتحات الكبيرة الخاصة بالمفرش الذي يقع في الطابق الاول من المبنى. ويُظهر تصميم الواجهه العلاقة القوية بين المبنى ومحيطه الخارجي، ويتجلى ذلك بوضوح من خلال وجود نوافذ المفرش التي تحتل كامل المساحة المتاحة انشائياً ما بين الاعمدة الضخمة والاقواس العلوية الممتدة فيما بينها. ويمكن التعرف على مباني المصابن من الخارج عن طريق ملاحظة نوافذ المفرش التي تبرز ضمن النمط التقليدي للفتحات في واجهات البلدة القديمة التي تتميز بسيطرة المساحات المصمتة.   

ومن العناصر المهمة في واجهة المصبنة، المدخل الضخم الذي صمم بعناية تدل على الاهمية والقيمة التي كانت تتمتع بها تلك المباني. وقد اختلفت تفاصيل المدخل بين مصبنة واخرى فظهر في اغلبها فتحة الباب يعلوها عقد موتور ويتوجها في مستوى اعلى عقد مدبب. وبينما اتسم التصميم في اغلب الحالات بالبساطة فقد ظهرت في بعض الاحيان التفاصيل الحجرية والزخارف في القوس الذي يتوج فتحة الباب.

اما نوافذ الطابق الارضي فهي قليلة، وصغيرة المساحة مقارنة بنوافذ المفرش. وفي حال وجود سكن لمالك المصبنة في طابق علوي فوقها، تظهر في واجهته نوافذ صغيرة نسبياً لتناسب الوظيفة وتوفر الخصوصية المطلوبة في المباني السكنية. وبذلك تعكس واجهات المصابن بشكل واضح اختلاف الوظيفة التي يشغلها كل مستوى في المبنى.

تصنيع الصابون 
المواد الأساسية اللازمة لتصنيع الصابون هي زيت الزيتون،والماء،والملح،ورماد نبتة"الشيح" وهو نبات كان يتم إحضاره من صحراء الأردن وله تأثيرقاعدي، وكان يتم حرقه ونقعه بالشيد ويسمى المحلول الناتج بالقلي، وهو المحلول القاعدي الضروري لعملية التصبُن. وقد استبدل القلي حديثًابمادة هيدروكسيدالصوديوم ذات التأثيرالمشابه. ولا تزال مصبنتا طوقان في منطقة الدوار وسط المدينة، وكذلك مصبنة الشكعة في شارع النجاح القديم تعملان بالطريقة التقليدية. وتم ترميم عدد من المصابن داخل البلدة القديمة لاستعمالات مختلفة ويمكن زيارتها للتعرف على آلية صنع الصابون والاستفادة من استعمالاتها الجديدة 

شكل (3): واجهة مصبنة النابلسي, حارة القريون 

شكل (4): تنانير الصابون