حارات البلدة القديمة

ليس بالإمكان استنباط تقسيم واضح للأحياء والحارات المختلفة بحسب أسمائها، إلا أنّه من السهل التعرف على منطقة السوق العام وفصلها عن المناطق السكنية في داخل البلدة القديمة. إذ توجد الأسواق والساحات المتصلة بها في المناطق العامة وسط البلدة القديمة، وبنيت في الأطراف عدة وكالات تجارية وخانات كانت مخصصة لاستقبال الزائرين من خارج المدينة، ولإجراء المعاملات التجارية وأعمال البيع والشراء.

وتتكون المنطقة السكنية داخل البلدة القديمة من عدد من الحارات ومفردها "حارة"ويشير هذا المصطلح إلى وحدة حضريةتضم عددًا من الوحدات والمباني المعمارية المختلفة، وهي تشمل مبانٍسكنية في غالب الاحيان. وتعرف حدود هذه الوحدة الحضرية من وجود شوارع تفصل ما بين الحارات المتجاورة، ويؤكد حدودها ما يتعارف عليه بين السكان المحليين من تسميات وانتساب المباني المختلفة كل منها لحارة أو أخرى.

ويدل هذا على خصوصية الهوية الشرقية للبلدات القديمة، إذ أنّ النظم الاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية كلها تساهم في تشكيل هذا التمازج والاندماج فيما بين المباني المختلفة، والتي تؤدي إلى توصيف حدودها وتسمياتها. واستعمل مصطلح "محلة" للدلالة على الوحدة الحضرية كذلك. أما مصطلح "حي" فيستعمل للدلالة ذاتها، ولكنه مصطلح حديث.

ويقسم شارعا النصر والخان البلدة القديمة إلى ثلاثة أقسام، وتكون تقاطعات الطرق والتقاءات الممرات هي نقاط حدود كل حارة. ويمكن القول إنّ مدينة نابُلس كانت عبر تاريخها الإسلامي الطويل تتكون من ست حارات، وهي الغرب، والحبلة، والقيسارية، والقريون، والعقبة والياسمينة ويتفرع من هذه الحارات الرئيسة ست حارات تعتبر أجزاء منها ومثال ذلك أنّ حارة السمرة هي جزء من حارة الياسمينة، وحارتا الدولاب والجوزة هما جزء من حارة القيسارية.

 

وجاءت تسمية كل الحارة نسبة إلى معلم مهم موجود فيها، مثل حارة الدولاب التي ينسب اسمها إلى دولاب خشبي كان يتم بوساطته رفع الماء من خلال فتحة متصلة بقناة الماء الرومانية المارة في الطبقات السفلى للمنطقة. أو لربما كان اسم الحارة منسوبًا إلى المنطقة الجغرافية التي تقع فيها الحارة من المدينة مثل حارة الغرب التي تقع في الطرف الغربي للمدينة.ويلاحظ أنّ التكوين المعماري للحارة متأثر بتركيبتها الاجتماعية، ويسكن فيها أحيانًا أفراد طائفة معينة مثل حارة السمرة، التي كان يقطن فيها أفراد الطائفة السامرية، ونسب اسمها إليهم. واختصت حارة القريون باسمها الذي يعود اسم مشتق من الاسم الروماني - كاريون - وحارة الحبلة عائد إلى ما كانت تحويه الحارة من جدران استنادية مكونة من صفوف الحجر كانت تسمى - حبلة -.

وتتكون كل حارة من عدة أحواش،- مفردها حوش- وهي متباينة في مساحاتها وأعداد المباني في كل منها. وفي داخل الاحواش مناطق شبه خاصة، تتمثل بالساحات المكشوفة في المناطق السكنية والتي تنفصل عن السوق العام من خلال بوابات كانت تغلق عند المساء. وتترابط الأبنية السكنية بنظام الأحواش، باعتبار الحوش منطقة سكنية خاصة وهو جزء مهم من الحارة. وتشكل الأحواش مساحة واسعة من مجمل مساحة البلدة القديمة. وتشترك المباني السكنية في هذه الأحواش بمدخل واحد يتصل بالشارع العام من خلال ممر قصير نسبيًّا، وقليلة هي المباني التي لها مدخل مباشر على الشارع العام، وتتوزع في أنحاء مختلفة من البلدة القديمة.

والحوش عبارة عن تجمع لعدد من البيوت السكنية يزيد عددها على اثنين، وتشترك جميعها في مدخل يؤدي من خلال ممر ضيق إلى ساحة مكشوفة، والغالب أنّه ليس للحوش مخرج سوى المدخل نفسه. ويتم من خلال هذا الممر الوصول إلى الوحدات السكنية المختلفة، وتقع الساحة غالبًا في وسط هذا التجمع مثل حوش النصر، وفي بعض الأحيان تقع في نهاية الممر الخاص به، مثل حوش العطعوط، وهذا تشكيل حضري مميز يشكل عنصراً مهماً داخل البلدة القديمة. وأمكن تحديد سبعة وتسعين حوش داخل البلدة القديمة. وحيث انها مناطق سكنية خاصة فان الدخول اليها وزيارتها يكون ذا محددات اجتماعيةفي كثير من الأحيان. وينصح بزيارة حوش العطعوط في حارة الياسمينة، لما شهده هذ الحوش من أحداث هامة من تاريخ المدينة النضالي، ففيه الغرفة التي اختبأ فيها الرئيس الراحل ياسر عرفات عندما كان مطارداً بعيد الاحتلال الاسرائيلي في العام 1968م.