مدينة نابُلس

عاصمة شمال فِلَسطين،تقع المدينة على خط عرض 32,13،وتبعد عن مدينة القدس حوالي 65 كم (40 ميلاً). وتمتد مساحة المدينة على طول الوادي الذي يرتفع ما بين 280م-500م فوق سطح البحر. ويحيطها جبل عيبال في الجهة الشمالية ويرتفع حوالي940م فوق سطح البحر، وجبل جرزيم في الجنوب وارتفاع قمتهحوالي 840م فوق سطح البحر. ويمتاز مناخ مدينة نابُلس بالاعتدال بسبب موقعها ضمن إقليم البحر الأبيض المتوسط، صيفها حارٌ وجاف، ويمتد لأكثر من خمسة أشهر (نيسان - آب)، ومعدل درجة الحرارة في الصيف حوالي 29 درجة مئوية، ويصل أقصاها إلى 40 مئوية في بعض الأحيان خاصة في شهري تموز وآب. وشتاء نابُلس بارد وماطر، ولكنه قصير لا يتعدى ثلاثة أشهر (كانون أول - شباط) في معظم الأحيان. ويعتبر شهر كانون الثاني الأكثر برودة، إذ تتدنى فيه درجة الحرارة إلى حوالي 6 درجات مئوية. ومعدل هطول الأمطار حوالي 660 ملم يسقط 80% منها في الفترة ما بين كانون أول وحتى بداية شهر آذار. فيما يبلغ متوسط سرعة الرياح حوالي 10كم/ساعة ومعدل الرطوبة حوالي 61%.

1. المخطط العام للمدينة (The Town Plan): 

إن المخطط العام للبلدة القديمة في نابلس هو أكثر الأنظمة الثلاثة تقليدية، إذ يحتوي على الشوارع (Streets) والفراغات المفتوحة (Open spaces) وقطع الأراضي (Parcels) ونسيج المباني (Building Fabric). ولم يحدث تغيير يذكر على المخطط الأصلي للمدينة منذ اكتمال عناصره وتكامل تطوره، وحلوله محل المخطط الشطرنجي الروماني القديم، الذي لم يتبق منه سوى بعض الآثار. 

أ. الشوارع: يعود نظام الشوارع الأصلي في تخطيط المدينة إلى النظام الشبكي الروماني القديم، خاصة في المركز والأجزاء الشمالية. ويبدو هذا النظام الشبكي  بشكل واضح في الجزء الشمالي في منطقة حارة الحبلة، التي بنيت في  الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والسابع عشر للميلاد، وكذلك حارة الغرب، وبشكل أكثر في حارات الجزء الجنوبي، مثل حارة القيسارية، حيث كانت منشأ مدينة نيابولس الرومانية القديمة. ويظهر الرسم التوضيحي (شكل (1)) لخريطة مأدبا شارعاً رئيساً (ديكيومانوس) يقطع المدينة من الشرق إلى الغرب، ويقود إلى مبنى نصف دائري فسّره العالم F.M. Abel  (وهو أول باحث يفحص المخطط الحديث للمدينة، ويقارنه بالمخطط الذي على خريطة مأدبا) كمدرج الروماني. وكشفت الحفريات في هذا الموقع، لاحقاً، عن المسرح.  

شكل (1): خريطة تمثل مدينة نابلس في العصرين الروماني والبيزنطي. المصدر: بالاعتماد على دراسة الفني، 2003.

شكل (2): مخطط الشوارع الرومانية القديمة وإسقاطها على صورة نابلس الجوية الحديثة.

ب. الفراغات المفتوحة (open spaces): تنوعت الفراغات المفتوحة في نابلس القديمة إلى فراغات خاصة وعامة، تشمل الساحات والحدائق العامة والشوارع. تشتمل الساحات على ما هو خاص وعام، أما الخاص فمثل أفنية البيوت، وهي أكثر أنواع الفراغات المفتوحة انتشاراً، فمعظم البيوت موجهة إلى الداخل على فناء داخلي له على الأغلب شكل شبه مربع ومحدد بشكل واضح بكتل البيت المحيطة به، وأما العام فتمثله الساحات الثلاث في نابلس القديمة، وهي:

(1) ساحة النصر في القصبة الرئيسية، وتأخذ شكل T. 
(2) ساحة اليرموك في حارة الغرب، وتأخذ شكل مثلث. 
(3) ساحة التوتة في حارة القريون، وتأخذ شكلاً أقرب إلى المستطيل. 
(4) وهناك ساحات أصغر حجماً، وهي قليلة الانتشار، مثل ساحة التينة، وهي أقرب إلى الشكل المربع. 
وتحددت بعض جوانب هذه الساحات بكتل المباني، فيما انفتحت جوانبها الأخرى على الشوارع والطرق المطلة، كما أن ساحات نابلس متباينة من حيث نشاطاتها، ففيما كانت ساحة النصر تعج بالنشاط التجاري لارتباطها بالمحورين التجاريين، شارع النصر وشارع السوق، وتشكيلها حلقة وصل بينهما في وسط المدينة،  كانت ساحة التوتة في القريون تعج بالنشاط الاقتصادي الصناعي، لارتباطها بشارع المصابن الواقع بين حارة القريون والياسمينة من جهة، ولوقوع بعض المصابن عليها مثل صبانة طوقان من جهة أخرى. أما حارة الغرب، فغالباً ما كانت تعج بنشاط حركة السكان. وفيما يتعلق بالحدائق والبساتين فكانت منتشرة هنا وهناك داخل المدينة وخارجها، لوقوع نابلس أصلا على أرض خصبة وبساتين، حتى أن بعض الرحالة –كالدمشقي– وصفوها بأنها قصر في بستان، لما يحيط بها من أرض زراعية خضراء. ومن البساتين الموجودة داخل المدينة ما كان تابعاً للقصور، مثل بستان قصر أغا النمر في حارة الحبلة، وبستان قصر آل عبد الهادي في حارة الياسمينة.
ج. قطع الأرض (Land parcels)يتميز نظام تقسيم قطع الأرض في نابلس القديمة بتفاوت المساحات المخصصة للمباني، سواء المباني العامة التي تتنوع مساحتها بحسب أهميتها وموقعها ودرجة استعمالها (مثل الجامع الكبير وهو جامع مركزي للمدينة، وجامع الخضرا، وهو جامع لحارة الغرب) أم المباني السكنية، حيث تزداد المساحة أو تقل تبعاً لزيادة متطلبات الساكن أو قلتها، ويرتبط ذلك بقدرات الساكن، ما يؤكد الحرية الفردية في الداخل، ولكن في إطار المساواة من الخارج كقيمة اجتماعية . إذاّ، تحدد الاختلاف في مساحات قطع الأراضي السكنية بناء على قدرات الساكن وإمكانياته والملكية في الداخل، فيما تجتمع المساحات كلّها في إطار معماري موحّد يعكس الهيكل الاجتماعي. أما قطع الأراضي حول الشرايين أو الطرق الرئيسة، فكانت مقسمة، بشكل يتيح خليطاً من الاستعمالات والأشكال والأحجام المنسوجة معا، ففيما اتخذت الطوابق الأرضية صبغة تجارية، جرى استخدام الطوابق العلوية كمدارس، كما في حالة مدارس المذاهب الأربعة الواقعة في الطابق الأول فوق محلات الخان المغطى الرئيسي (سوق القماش)، أو كبيوت سكنية، كما في حالة بيوت كنعان فوق مصبنة كنعان.
د. النسيج العمراني (Urban fabric): يعرّف تجمع المباني وتكتلها في المدن، بما فيها المراكز التاريخية، بالنسيج العمراني (Urban Fabric)، المكوّن من مبانٍ تاريخية متراصّة تم بناؤها وتطويرها على مدى حقب زمنية مختلفة. يتميز النسيج العمراني للبلدة القديمة بنابلس بتجمعات كبيرة (Blocks) تحتوي غالباً على مبانٍ ووحدات سكنية يتم استخدامها من قبل العائلات المالكة أو المستأجرين. ويتخلل هذه التجمعات (خاصة تلك التي تقع على القصبة الرئيسية في البلدة القديمة) صروح عمرانية مميزة تستخدم لوظائف عامة (جامع، حمام ...) أو مراكز لصناعة الصابون التقليدي (مصابن) والذي تشتهر به نابلس. وغالباً ما تحتل المحال التجارية الطوابق الأرضية في هذه التجمعات، وخصوصاً الواقعة على جوانب الشوارع الرئيسة. تعرض النسيج العمراني التاريخي في البلدة لتغيرات كثيرة على مدى العصور نتيجة تعاقب الحضارات التي أدخلت طرزاً معمارية مختلفة، وجلبت معها اختلاف أولويات الحكام، واختلاف احتياجات السكان، بحيث تغير طابع أحياء المدينة وطرز مبانيها واستخداماتها. كما أدت الكوارث الطبيعية، خاصة الزلازل، لفقدان جزء كبير من نسيجها العمراني، وتمت إعادة بنائه بطريقة مختلفة أحيانا عن البناء الاصلي، وإن تم استخدام الأساليب والمواد التقليدية في البناء.
2. تشكيل استخدامات المباني وتصنيفها (Building typology and use)
تَشكَّل النسيج العمراني، تاريخياً، من خلال مزيج غني من الطرز المعمارية "المحلية"، تطوّر بالتفاعل مع الحضارات المتعاقبة التي حكمت البلاد. وقد تأثرت الطرز المحلية بتلك المنتشرة في المدن والبلدان المجاورة، أو التي تنتشر في بلد الجهة "الحاكمة"، إضافة إلى التأثير الاقتصادي والسياسي والعسكري لهذه الجهات واختلاف أولوياتها. ولهذا نجد تشابهاً (وتماثلاً أحياناً) بين النسيج العمراني في نابلس، وذلك الشائع في المدن التاريخية في بلاد الشام، مثل دمشق وحلب والقاهرة والقدس والخليل، وما تزخر به من صروح عمرانية ومبانٍ تم تشيدها خلال العصرين المملوكي والعثماني. 
ويمكن تصنيف المباني حسب وظيفتها كالتالي: 
1. المباني الدينية: وأهمها المساجد، إذ يحظى المسجد في البلدة القديمة في نابلس بمكانة مركزية، حيث يعد المركز الروحي والديني والثقافي، وهناك عدة أشكال منه، بداية من المسجد الجامع مثل الجامع الكبير، ثم مسجد أو جامع الحي، ويكون أصغر حجماً من المسجد الجامع وأقل مركزية، لأن مركزيته تكون داخل الحي (الحارة) مثل مسجد الحنبلي والبيك، ثم تأتي الزوايا والمقامات وهي دور عبادة صغيرة كانت تستخدم في القديم ككتاتيب مثل مقام الخضر. أقيمت الجوامع الرئيسة في المركز التجاري، وأقيمت مساجد أخرى بالقرب من الأحياء السكنية، وكان في نابلس أحد عشر جامعاً غلبت على مشهد المدينة (Townscape) بعلاماتها المميزة، وهي القباب والمآذن. وهناك كنيسة في البلدة القديمة، وأيضاً كنيس يهودي يؤمّه أفراد الطائفة السامرية.
شكل (3): توزيع مواقع المساجد في البلدة القديمة
2. الوكالات (الخانات): وهي أماكن مخصصة لنزول القوافل التجارية، إذ توفر أماكن لدوابها ومخازن لبضاعتها ونزلا لتجارها. وتضم في طابقها الأرضي مخازن للبضائع وأماكن للدواب، أما الطابق الأول فيحتوي غرف نوم. ويتبع للخان مصدر ماء ومصلى وسور وأبواب….إلخ، وأهم خان في المدينة هو خان التجار عند مركز سوق القماش، وهناك خان الوكالة في الجزء الشرقي، وهناك الوكالة الغربية أو الوكالة الفروخية التي بناها الأمير فروخ في العصر المملوكي سنة 1620م.
شكل (4): توزيع مواقع الوكالات في البلدة القديمة
3. الحمامات: عبارة عن حمامات بخار عامة وقديمة، توفر عادة إضافة الى وظيفتها الأصلية وسائل الراحة، ويتكون الحمام من طابق واحد له قباب، وهو يؤدي عدة خدمات صحية واجتماعية وترفيهية، وبطريقة غير مباشرة دينية، فهو يساهم في تقوية الروابط الاجتماعية بين السكان، حتى أنه كان يستخدم لمناسبات اجتماعية خاصة، مثل الزواج والاحتفالات التعليمية مثل التخرج من المدرسة أو الكتّاب.  وهناك ثمانية حمامات عامة في نابلس القديمة، ترجع في أصلها إلى حقب تاريخية مختلفة، اثنان منها رومانيان (حمام البيدرة وحمام الدرج)، وبعضها مملوكي مثل حمام الدرجة والريشة، في حين تعود الحمامات الأخرى الى العصر العثماني
شكل (5): توزيع مواقع الحمامات في البلدة القديمة 
4. الأسبلة: وهي أماكن عامة  للشرب تتميز بها معظم المدن التاريخية في المنطقة، ويصل عددها في نابلس إلى 20 سبيلا، وترتبط بعيون الماء الكثيرة بالمدينة، إذ تتمركز في جبل جرزيم عند منطقة تسمى رأس العين.
شكل (6): توزيع مواقع الأسبلة في البلدة القديمة
5. الأحياء السكنية: تشكل الأحياء السكنية في البلدة القديمة في نابلس حوالي %36 من مجمل المباني، تطورت تطوراً عضوياً (Organic Development) اعتمد في شكله على طبيعة التضاريس الجبلية للمدينة. وتتميز هذه الأحياء بتداخلها وتعرجها، ما يضفي على شكل المدينة المزيد من الجاذبية والغموض، بخلاف تخطيطها الهندسي الروماني السابق. وتحتوي الأحياء المعروفة بالحارات مجموعات من السكان ذوي الخواص المحددة (عرقية أو قبلية أو مهنية)، وإن كانت هذه الخواص اختفت على مدى السنوات نتيجة التغيرات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية.
6. الأسواق التقليدية: تعتبر، وكمثيلاتها في القاهرة ودمشق وحلب والقدس، مراكز التفاعل والتبادل التجاري، وتؤدي عدة خدمات اجتماعية واقتصادية، وتتشكل من تكرار وحدات تجارية (محلات) متقابلة ومنفصلة بممشى مغطى بأقواس، وعقود فيها كوات في السقف على مسافات متساوية لخلق جو جميل للتفاعل الاجتماعي والتسوق. 
وكانت للسوق الرئيس بوابات يمكن إقفالها، موضوعة على نقاط الدخول. أما بالنسبة لبقية الأسواق فكانت موزعة في عدة أجزاء، ويختص كل جزء بنوع من التجارة أو الحرف، مثل سوق القماش وسوق الحدادين وسوق البصل وسوق الصاغة. وحسب تحليل خريطة فسيفساء مأدبا، كانت هناك منطقة للحرف الرومانية، تحولت على مدى العصور إلى عصب اقتصادي للمدينة عبر صناعة الصابون، فسميت شارع المصابن. ويبدو من تحليل خريطة مأدبا، أيضاً، أن الشارع الرئيس (شارع النصر) الممتد من الشرق إلى الغرب ما زال باقيا بصفين من المحلات – والتي حلت مكان الطريق المعمد الروماني الأنيق ــ حيث تركزت كل النشاطات التجارية، أما الشوارع الرومانية الأخرى فقد اندثرت، لخضوع مركز المدينة لتغيرات خلال القرون الوسطى.
7. المصابن: وهي المباني التي تتم فيها صناعة الصابون التقليدي، ويتكون المبنى عادة من طابقين، يستخدم الأرضي لطبخ الصابون وكمكتب للبيع، أما الطابق الأول فهو لنشر خلطة الصابون، حيث يتم تقطيعها بشكل الصابون التقليدي، وتترك القطع لتجف، ثم يتم لفها بالورق الخاص تمهيداً لبيعها. وكان في مدينة  نابلس حوالي  38 مصنعاً للصابون، منتشرة في المدينة القديمة كلّها.
8. قصور الأثرياء: هي بيوت كبيرة ترجع ملكيتها لعائلات نابلسية كانت الأكثر ثراء وقوة، وكانت في المدينة القديمة حوالي عشرة قصور ترجع إلى العصر العثماني، خمسة منها تعد قصوراً، مثل قصر آل طوقان وعبد الهادي والنمر، في حين تعتبر بقيتها بيوتاً كبيرة، مثل آل هاشم، وجميع أصحابها من العائلات التي كانت تعمل في صناعة الصابون وتتملك "مصابن".
9. المدارس: وكانت غالباً مرتبطة بالمساجد، فكان الصغار يدرسون في الكتّاب، ويعرّف الكتّاب بأنه مدرسة صغيرة مكونة من غرفة واحدة، وكانت الكتاتيب تفتح في مقامات الأولياء، توفيراً للأجرة. وضمت نابلس نحو عشرة كتاتيب في مقامات الأولياء، أقدمها وأشهرها كتّاب الشيخ عبد الحفيظ بدران، وكتّاب الشيخ مسعود…..الخ. وقد أنشئت المدينة أربع مدارس دينية سنة 1290هـ من قبل السلطان قلاوون فوق ما يعرف بسوق القماش، وتتبع كل مدرسة لمذهب: الحنفي والشافعي والحنبلي والمالكي، ثم أسست سنة 1297هـ مدرسة ابتدائية في الجهة الغربية من سوق السلطان (خان التجار)، ومدرسة إعدادية سنة 1315هـ بجانب السرايا على ساحة المنارة، وفي سنة 1320هـ تلتها مدرسة أخرى باسم مكتب الإعدادي، وهو نصف ثانوي، لأن إتمام الثانوي كان يتم في مركز الولاية باسم المكتب السلطاني.

شكل (7): صورة توضح النسيج العمراني في البلدة القديمة